ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

537

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فافهم إشارة الآية ؛ فإنه منتهى كل شيء ، قال تعالى : قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ الطلاق : 12 ] ، فقد أحاط بكل شيء وجودا ؛ لأن علمه عين وجوده وذاته ، تقوم تلك الساعة يوم تبدّل الأرض غير الأرض ، والسماوات ، وبرزوا بأنفسهم ظاهرين على اللّه تعالى بأحكام الطبيعة الكليّة التي حصرت قوابل العالم بأسره ، وبشّر البشير بهذه البشارة على سبيل الإشارة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . . الحديث « 1 » » ؛ وهو الظهور على الحق تعالى بحكم الطبيعة ، وبروز الأصل على صورة الفرع بلا فصل ، فرجعوا إلى البداية على حكم الطبيعة ، ورجحت إليهم العادة عبادة فأضاعوا الصّلات ، واتّبعوا الشهوات ، ولم يلقوا غيّا ؛ لأنهم على بصيرة فيه ، فليسوا ممن اتّبع هواه بغير علم ، وذلك أمر ذوقي ، وعلوم الأذواق لا تقال ولا تحكى ، فلا يعرفها إلا من عرفها وذاقها ، وليس في الإمكان أن يبلغها من ذاقها إلى من لم يذقها ، فلا يقبل التعريف والتوصيف ؛ بل حكم تظهر لأهلها لا يجليها لوقتها إلا هو ، يتجلّى لهم بصور الأشياء ومعانيها وهو عينها ، فكيف البيان عنها ؟ فلا يعلم ذلك إلا اللّه لا يوصّلها شرع بأخبار وتعريف . وذلك قوله تعالى : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ [ الأعراف : 187 ] ، وقد أعلم اللّه بالتعريف لبعض الناس ، وهو من ارتضى من رسول بأن هذا علم لا يقبل التعريف ؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر هكذا ، فلهذا يسألون . وورد في الخبر : « إن جماعة سألوه عن الساعة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ؛ ولكن سأخبركم بمشاريطها ، وما يكون بين يديها : إن بين يديها فتنة وهرجا ، قالوا : يا رسول اللّه الفتنة قد عرفناها ، فالهرج ما هو ؟ قال : هو بلسان الحبشة : القتل ، ويلقي بين الناس التناكر ، فلا يكاد أحد يعرف أحدا « 2 » » .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه أحمد ( 5 / 389 ) ، وذكره الهيثمي في الزوائد ( 7 / 309 ) .